فصل: تعريفات ماهية العلم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أبجد العلوم **


المجلد الأول

الوشي المرقوم، في بيان أحوال العلوم

 مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل العلم سُلماً إلى معارج المعلوم‏.‏ والمعلوم فضلاً مُسلَّماً عند عصابة المنطوق والمفهوم، وسرَّح أبصار البصائر في رياض الفنون والمعارف، رياض زهت فيها أزهار المعاني والبيان، فتفتحت بنسائمها أنوار الفضل التالد والطارف‏.‏ فاجتنت منها أيدي المنى فواكه القلوب وأقوات الأرواح، واقتطفت منها جني الحقائق والدقائق من بين أقاحي الصباح، فهو قوت الفؤاد ومراح الأشباح، وروح جثمان الكمال، وحادي النفوس إلى بلاد الأفراح‏.‏ به فَضلُ الذوق الروحاني على الماق الجسماني فضلاً لا يعرفه إلا من تضلع منه أو ذاق، ولا يدرك كنهه إلا من غاص في قعر بحاره، وسبح في ثبج أنهاره، ثم برع وفاق‏.‏

والصلاة والسلام على سيد العلماء، سند الفضلاء، تاج الكملاء محمد النبي المصطفى أحمد الأمي المجتبى، المؤيد من السماء، الموحى إليه بالقرآن الذي فيه هدى وشفاء‏.‏الذي أكمل الله تعالى به علوم الأوائل والأواخر، وخصه من بين خلقه بمزايا المعارف وخبايا المفاخر‏.‏ فيا له من نبي رفيع القدر ما ترقى رقيه الأنبياء، ورفيع كريم الذكر ما طاولته السماء‏.‏ صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وحزبه المتأدبين بآدابه، الذين تفتحت لهم كمائم المنقول والمعقول‏.‏ وتحلت بعقود علومهم أجياد الفحول، حتى اشتفت نفوس الإسلام والمسلمين من داء الأعداء، وزال كلب الكفر ومرض الإشراك بما أريق من دمائهم، تحت أديم السماء على وجه الغبراء‏.‏فهم مخازن الفضائل والعوائد، ومعادن الفواضل والفوائد، ومجامع المكارم والمحامد، ومناحي المعارف والمقاصد‏.‏

لا زالت سحب الرحمة هاطلة على مراقدهم، وتحايا الرضوان نازلة على معاهدهم‏.‏ ما طلعت شموس العلوم من أفلاك الدواوين والدفاتر، وسطعت نجوم الفنون من مشارق الأقلام والمحابر وبعد‏:‏ فهذا بث لما وقر في صدري من أحوال العلوم العالية، وتراجم الفنون الفاخرة، وأثر بعد عين في تحصيل ما نيطت به سعادة الدنيا والآخرة، وردت من بحارها الطامية ماء عذباً فراتاً حالياً، وكرعت من أنهارها الصافية ما كان عن القذى طاهراً وعن الأكدار خالياً‏.‏ حررته إحرازاً لما تشتت من أحوال العلوم وتراجم أسمائها وسماتها، وجمعته إفرازا للفنون مع بيان مباديها وأغراضها وغاياتها‏.‏ مستمدا في ذلك من كتب الأئمة السادة، وصحف الكبراء القادة، بعد أن عرفت مجاريها، وتعلمت الرمي من القوس وقد كنت باريها‏.‏ لأني لما وقفت على كتاب ‏(‏عنوان العبر وديوان المبتدأ والخبر‏)‏ لقاضي القضاة مؤيد الدين أبي زيد عبد الرحمن ابن خلدون الأندلسي وجدت مؤلفه رحمه الله تعالى قد عقد في الكتاب الأول منه فصلاً سادساً في العلوم وأنواعها وسائر طرقها وأنحائها وما يعرض في ‏(‏1/ 5‏)‏ ذلك كله من الأحوال‏.‏

ثم رأيت خواجه خليفة زاده ملا كاتب الجلبي، لخص منه تلك العلوم وأحوالها في مقدمة كتابه ‏(‏كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون‏)‏ وأضاف إليه أشياء من ‏(‏مفتاح السعادة‏)‏ لأبي الخير‏.‏

ثم اطلعت على كتاب ‏(‏مدينة العلوم‏)‏ للأرنيقي، تلميذ قاضي زاده موسى بن محمود الرومي شارح ‏(‏جغميني‏)‏ وفيه بيان أنواع العلوم وتراجم بعض علماء الفنون‏.‏

ثم عثرت على كتاب ‏(‏كشاف اصطلاحات الفنون‏)‏ للشيخ الفاضل محمد علي بن علي التهانوي الهندي، وقد ذكر فيه أنواعا من العلوم المتداولة وطرقا من الفنون المتناولة‏.‏

ورأيت المترفين قد عجزت هممهم عن معرفة هذه العلوم والفنون، ووجدت العلماء قد قنعوا بالطل من الوابل الهتون، فكل واحدة من هاتين القبيلتين في غنى عن جباتها وقصور عن بلوغ غايتها، إلا ما شاء الله تعالى من شواذ القبائل وأفراد الإنسان‏.‏

موضوع الكتاب الأول تاريخ أحوال العالم‏.‏ وموضوع الكتاب الثاني جمع أسامي الكتب التي صفنها بنو آدم‏.‏ فالأول ليس فيه ما خلا ذكر تلك العلوم في فصول خاصة إلا أحوال العمران وأمم الإنسان، ‏(‏1/ 6‏)‏ ووقائع الدهور والأزمان‏.‏ والثاني ليس فيه ما عدا تراجم تلك العلوم والخطب إلا الكشف عن أسامي الكتب‏.‏ والثالث مقتصر على ذكر أنواع العلوم وتراجم المصنفين فيها‏.‏ والرابع مختص بذكر اصطلاحاتها المتداولة في كتب الفنون‏.‏

فأردت أن أفرد منها أحوال العلوم، وتراجم الفنون في تأليف مختصر تقريباً للبعيد وتحصيلاً للتجريد، مضيفاً إليه ما حصل الوقوف عليه في أثناء ملاحظة الكتب الشاذة وعطفها، واجتناء ثمار الفوائد من الصحف الفاذة وقطفها‏.‏ ليكون هذا السفر التام المقصود، وكوكب المراد الطالع من أفق السعود سهل الحصول لمن رام الوصول إليه، ويسير النتاج لمن أراد الحصول منه والتعويل عليه، لأنه دراسات عديدة في كراريس محدودة، وفراسات سديدة في قراطيس مشهودة، تحلت بعون الله، وحسن توفيقه بكل زين ورتبت على قسمين‏:‏

الأول‏:‏ في بيان أحوال العلوم‏.‏

والثاني‏:‏ في تراجمها المنطوق منها والمفهوم‏.‏

وكل قسم من هذين القسمين اشتمل على مقدمة، وخاتمة، وأبواب على أكمل وضع وأجمل أسلوب، تسوق ناظريها من طلبة العلوم إلى أعز مقصود وأعز مطلوب‏.‏

وأنت تعلم إن كنت ممن طالع الكتب المشار إليها واطلع عليها، أن بعد هذا التجريد مما فيها لم يبق من المقاصد العلمية إلا القليل من تراجم ‏(‏1/ 7‏)‏ الكتب وأهليها‏.‏

لكن الذي أهمني أني رأيت أبناء هذا الزمان لا تتوجه طبائعهم إلى إدراك العلوم ومبانيها، واقتباس فوائد الفنون ولو بفهم بعض معانيها‏.‏ فضلاً عن أن يحيطوا بجميع المقاصد والغايات، ويبلغوا من معرفتها وضبطها إلى النهايات‏.‏ إلا واحداً من الألوف المؤلفة، وفرداً من الأحزاب المتحزبة ممن لهم همة شامخة وروية دارية في كسب المعارف والعلوم‏.‏ أو دولة باذخة وقدرة سارية في جمع المقسوم‏.‏ فإنه قد يرفع الرأس إلى معرفة العلم بدءً وغاية، وينحو إلى استعلام أمر الأول والنهاية‏.‏

وكل الخلق وجلهم مغمورون في اللذات العاجلة الخاطئة الكاذبة الفانية‏.‏ ويؤثرونها ولو كان بهم خصاصة على النعم الآجلة الدائمة الباقية‏.‏ إلا من عصمه الله تعالى‏.‏ فكأن الناس كلهم قد صاروا أجناسا بلا فصول، أو إناثا بلا فحول‏.‏ مع أن الإنسان إنما تميز عن الحيوان بالنطق والعلم والعرفان‏.‏ ولو لم يكن العلم في البشر لكان هو وجميع الحيوانات سواسية في كل شان‏.‏ فإنا لله على ذهاب العلم وأهليه وفشو الجهل وعلو ذويه‏.‏

وبالجملة‏:‏ فهذا المؤلف الذي جمع أحوال العلوم وتراجمها في كن واحد، وأوعى أشتات الفنون في وعاء صامد‏.‏ قد تجلى نوره في آخر الزمان من عمر الدنيا حين ولى شبابها، ولم يبق من بحار حياتها إلا سرابها، وتوالت فيها الآفات والفتن، وعمت بأهلها البلوى والمحن‏.‏ ولذلك كان أثراً بعد عين، أو حديثا من خفي حنين‏.‏

ومع ذلك قد جاء بحمد الله تعالى في بابه بديع المثال، منيع المنال، مبدئ العجب العجاب‏.‏ إذا سئل أعطى وإذا دعي أجاب، كأنه سماء علوم شرفت كواكبها عجائبها، وأرض فنون أمطرت بالغرائب سحائبها، ‏(‏1/ 8‏)‏ شامة في وجنات النكات، تميمة في أجياد الفحول الأثبات، جنة أشجارها مورقة، حديقة أزهارها مونقة، أكلها دائم وظلها قائم، نعيمها مقيم، ومزاجها من تسنيم‏.‏ سفينة نجاة يعبر بها الأبرار بحاراً بعيدة الأغوار، وفلك مشحون يسيح العابرون في قاموسه المحيط التيار، وحسبك به مطية يصل بها الراكب إلى رياض الجنان، ويشرب هنالك الشارب من حياض العرفان‏.‏ جمعته لتفنن خواطر الولدين الكريمين السعيدين، وتمرن ضمائر الابنين الشريفين الحميدين‏:‏ السيد نور الحسن الطيب، والسيد على حسن الطاهر، بارك الله لهم وفيهم وعليهم في الدنيا، والدين وجعل لهم لسان صدق في الآخرين، وسلك بهم مسلك السلف الصالحين خصوصا، ولمن عداهم من أهل العلم والفضل عموما‏.‏

وسميت القسم الأول من هذا الكتاب‏:‏ ‏(‏‏(‏الوشي المرقوم‏)‏‏)‏‏.‏ والقسم الآخر ‏(‏‏(‏السحاب المركوم‏)‏‏)‏ والكتاب نفسه ‏(‏‏(‏أبجد العلوم‏)‏‏)‏

وكان وضعه وجمعه في بلدة بهوبال المحمية في سنة تسعين ومائتين وألف الهجرية، وطبعة وينعه في سنة خمس وتسعين ومائتين وألف القدسية، في المطبعة المنسوبة إلى ذات المحامد السنية والمكارم العلية، من أخجلت بجودها السحاب فصب عرقا، وأرعدت بسياستها الرعد فارتعد فرقا، لاح نور رأفتها من سواد بلاد مالوة الدكن كما لاح نور الباصرة من سواد البصر‏.‏ فوصل كذلك إلى القريب والبعيد من أهل الوبر والمدر‏.‏ من نزل بأعتابها نسي الأوطان والأصحاب، ومن لاذ ببابها أتاه المطالب من كل باب‏.‏

قد جمعت بين الصورة الملكية والسيرة الملكية، وقرنت بين الحكمة الأيمانية، والحكومة اليمانية‏.‏ وهنا أنشدت مخاطبا للصبا والشمال على ما هو دأب أرباب الوجد والحال‏:‏ ‏(‏1/ 9‏)‏

وصلت حمى بهوبال يا نفس فانزلي ** فقد نلت مأمول الفوائد المعول

ويا حبذا ساحاتها نلت إنها ** نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل

تذكرت عهدا بالحمى وبمن به ** قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

وما هو إلا حضرة العزة التي ** تخاطب تاج الهند عند الأماثل

معاذة أهل الفضل من كل حادث ** ملاذة أعيان العلاة الأفاضل

مغيثة أرباب الفواضل والحجى ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

هي البحر جودا فيضها شمل الورى ** وقد نال من معروفها كل سائل

هي الشمس إفضالا يعم نوالها ** جميع الرعايا من صنوف القبائل

أفادت كرامات بهمتها التي ** لها ليس مثلا عند كل مماثل

أفاضت فيوضا أخجلت جود حاتم ** أسالت إلينا هاطلا بعد هاطل ‏(‏1/ 10‏)‏

قفوا أخبرونا من يقوم مقامه ** ومن ذا يرد الآن لهفة سائل

قفوا أخبرونا هل لها من مشابه ** قفوا أخبرونا هل لها من مشاكل

فما هي إلا رحمة مستطابة ** تعم البرايا من غني وعائل

أدام لها رب البرايا مكارما ** تقصر عنها لك حاف وناعل

وزاد لها الإقبال إقبال عزة ** وكان لها عونا لدى كل نازل

أعني بها ملكية العالم أهل بيتي نواب شاهجان بيكم، طابت أيامها ولياليها، ونامت عيون الدواهي عن معاليها‏.‏

هذا والله أسأل أن يصعد هذا الكتاب ذروة القبول، ويجعله خالصا لذاته الكريمة، وينفع به أهل العلم ومن أخلفه من السادة الفحول، ويرخي على زلات جامعة من عفوه وعافيته وغفرانه ورضوانه أطول الذيول‏.‏

وحين بلغ القول مني إلى هذا المبلغ أخذت في سرد مقاصد الكتاب، أبوابا ورفعت عن وجوه عرائس العلوم وتراجمها حجابا، وأبديت فيه عللا وأسبابا، ونزعت عن محيا فنونه جلبابا، وسلكت فيه مسلكا غريبا، واخترت من بين المناحي منهجا عجيبا‏.‏

وبالله الاستعانة ومنه التوفيق في كل ما أحرر وأقول، وعليه التعويل وله الحمد على كل حال وهو خير مسئول ومأمول‏:‏ ‏(‏1/ 11‏)‏

 القسم الأول

من كتاب أبجد العلوم في أحوالها المسمى بالوشي المرقوم

 المقدمة

في بيان ما يطلق عليه اسم العلم ونسبته ومحله وبقائه وعلم الله تعالى

العلم بالكسر وسكون اللام‏:‏ في عرف العلماء يطلق على معان منها، الإدراك مطلقا، تصورا كان أو تصديقا يقينيا أو غير يقيني وإليه ذهب الحكماء‏.‏

ومنها التصديق مطلقا، يقينيا كان أو غيره‏.‏ قال السيد السند في ‏(‏حواشي العضدي‏)‏‏:‏ ‏(‏‏(‏لفظ العلم يطلق على المقسم، وهو مطلق الإدراك، وعلى قسم منه وهو التصديق‏.‏ إما بالاشتراك بأن يوضع بإزائه أيضا، وإما بغلبة استعماله فيه لكونه مقصودا في الأكثر، وإنما يقصد التصور لأجله‏.‏

ومنها التصديق اليقيني في الخيالي‏.‏ العلم عند المتكلمين ‏(‏1/ 12‏)‏ لا معنى له سوى اليقين، وفي ‏(‏الأطول‏)‏ في باب التشبيه‏:‏ العلم بمعنى اليقين في اللغة لأنه من باب أفعال القلوب‏)‏‏)‏ انتهى

ومنها ما يتناول اليقين والتصور مطلقا في ‏(‏شرح التجريد‏)‏‏:‏

‏(‏‏(‏العلم يطلق تارة يراد به الصورة الحاصلة في الذهن، ويطلق تارة ويراد به اليقين فقط‏.‏ ويطلق تارة ويراد به ما يتناول اليقين والتصور مطلقا‏)‏‏)‏ انتهى‏.‏

قيل‏:‏ هذا هو مذهب المتكلمين‏.‏

ومنها التعقل‏.‏

ومنها التوهم والتخيل‏.‏ في ‏(‏تهذيب الكلام‏)‏‏:‏ ‏(‏‏(‏أنواع الإدراك إحساس وتخيل وتوهم وتعقل، والعلم قد يقال لمطلق الإدراك وللثلاثة الأخيرة وللأخير، وللتصديق الجازم المطابق الثابت‏.‏

ومنها‏:‏ إدراك الكلي مفهوماً أو حكما‏.‏

ومنها‏:‏ إدراك المركب تصورا كان أو تصديقا‏.‏

ومنها‏:‏ إدراك المسائل عن دليل‏.‏

ومنها‏:‏ نفس المسائل المبرهنة‏.‏

ومنها‏:‏ الملكة الحاصلة من إدراك تلك المسائل، وبعضهم لم يشترط كون المسائل مبرهنة‏)‏‏)‏‏.‏

وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏العلم يطلق على إدراك المسائل وعلى نفسها، ‏(‏1/ 13‏)‏ وعلى الملكة الحاصلة منها‏.‏ والعلوم المدونة تطلق أيضا على هذه المعاني الثلاثة الأخيرة‏.‏

ومنها‏:‏ ملكة يقتدر بها على استعمال موضوعات ما، نحو غرض من الأغراض صادرا عن البصيرة بحسب ما يمكن فيها، ويقال لها الصناعة أيضا‏)‏‏)‏ كذا في ‏(‏المطول‏)‏‏.‏ في بحث التشبيه‏.‏

ورده السيد السند ‏(‏‏(‏بأن الملكة المذكورة المسماة بالصناعة إنما هي في العلوم العملية، أي‏:‏ المتعلقة بكيفية العمل كالطب والمنطق، وتخصيص العلم بإزائها غير محقق، كيف وقد يذكر العلم في مقابلة الصناعة‏.‏ نعم إطلاقه على ملكة الإدراك، بحيث يتناول العلوم النظرية والعملية غير بعيد مناسب للعرف‏)‏‏)‏ انتهى‏.‏

قال المتكلمون‏:‏ لا بد في العلم من إضافة ونسبة مخصوصة بين العالم والمعلوم بها‏.‏ ويكون العالم عالما بذلك المعلوم، والمعلوم معلوما لذلك العالم‏.‏ وهذه الإضافة هي المسماة عندهم بالتعلق، فجمهور المتكلمين على أن العلم هو هذا التعلق، إذ لم يثبت غيره بدليل فيتعدد العلم بتعدد المعلومات، كتعدد الإضافة بتعدد المضاف إليه‏.‏

وقال قوم من الأشاعرة‏:‏ هو صفة حقيقية ذات تعلق‏.‏ وعند هؤلاء فثمة أمران‏:‏ العلم، وهو تلك الصفة‏.‏ والعالمية، أي‏:‏ ذلك التعلق‏.‏ فعلى هذا لا يتعدد العلم بتعدد المعلومات، إذ لا يلزم من تعلق الصفة بأمور كثيرة تكثر الصفة إذ يجوز أن يكون لشيء واحد تعلقات بأمور متعددة‏.‏ ‏(‏1/ 14‏)‏

وأثبت القاضي الباقلاني العلم الذي هو صفة موجودة، والعالمية التي هي من قبيل الأحوال عنده‏.‏ وأثبت معها تعلقا، فإما للعلم فقط أو للعالمية‏.‏

فقط فهذه ثلاثة أمور‏:‏ العلم، والعالمية، والتعلق الثابت لأحدهما وإما لهما معا، فها هنا أربعة أمور‏:‏ العلم والعالمية وتعلقاتهما‏.‏

وقال الحكماء‏:‏ العلم هو الموجود الذهني، إذ لا يعقل ما هو عدم صرف بحسب الخارج كالممتنعات‏.‏ والتعلق إنما يتصور بين شيئين متمايزين، ولا تمايز إلا بأن يكون لكل منهما ثبوت في الجملة، ولا ثبوت للمعدوم في الخارج فلا حقيقة له إلا الأمر الموجود في الذهن وذلك الأمر هو العلم، وأما التعلق فلازم له‏.‏ والمعلوم أيضا فإنه باعتبار قيامه بالقوة العاقلة علم، وباعتباره في نفسه من حيث هو هو معلوم‏.‏ فالعلم والمعلوم متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار‏.‏ وإذا كان العلم بالمعدومات كذلك وجب أن يكون سائر المعلومات أيضا كذلك، إذ لا اختلاف بين أفراد حقيقة واحدة نوعية‏.‏ كذا في ‏(‏شرح المواقف‏)‏ قال مرزازاهد‏:‏ هذا في العلم الحصولي‏.‏ وأما في الحضوري فالعلم والمعلوم متحدان ذاتا واعتبارا، ومن ظن أن التغاير بينهما في الحضوري أيضا اعتباري كتغاير المعالِج والمعالجَ، فقد اشتبه عليه التغاير الذي هو مصداق تحققهما بالتغاير الذي هو بعد تحققهما‏.‏ فإنه لو كان بينهما تغاير سابق لكان العلم الحضوري صورة منتزعة من المعلوم وكان علما حصوليا‏.‏

ثم اعلم أن محل العلم الحادث سواء كان متعلقا بالكليات أو بالجزئيات عند أهل الحق غير متعين عقلا، بل يجوز عندهم عقلا أن يخلقه الله تعالى في أي جوهر أراد من جواهر البدن لكن السمع دل على أنه القلب، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فتكون لهم قلوب يعقلون بها‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها‏}‏ ‏(‏1/ 15‏)‏‏.‏

هذا وقال الحكماء‏:‏ محل العلم الحادث النفس الناطقة، أو المشاعر العشر الظاهرة والباطنة‏.‏

وقد اختلف المتكلمون في بقاء العلم والعقل بعد الموت في الجنة‏.‏

فالأشاعرة قضوا باستحالة بقائهما كسائر الأعراض عندهم‏.‏ وأما المعتزلة فقد أجمعوا على بقاء العلوم الضرورية، والمكتسبة التي لا يتعلق بها التكليف‏.‏

واختلفوا في العلوم المكتسبة المكلف بها، فقال الجبائي‏:‏ إنها ليست باقية وإلا لزم أن لا يكون المكلف بها حال بقائها مطيعاً ولا عاصياً ولا مثاباً ولا معاقباً مع تحقق التكليف، وهو باطل بناء على أن لزوم الثواب أو العقاب على من كلف به‏.‏ وخالفه أبو هاشم في ذلك وأوجب بقاء العلوم مطلقاً‏.‏

قال شيخنا العلامة المجتهد المطلق قاضي القضاة محمد بن علي الشوكاني في فتاواه المسماة ‏(‏بالفتح الرباني‏)‏‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه وصل السؤال عن الكلام للحافظ الذهبي من أن علوم أهل الجنة تسلب عنهم في الجنة، ولا يبقى ‏(‏1/ 16‏)‏ لهم شعور بشيء منها فاقشعر جلدي عند الاطلاع على هذا الكلام، من مثل الحافظ الذي أفنى عمره في خدمة الكتاب والسنة والتراجم لعلماء هذا الشأن‏.‏ وقد كنت قديما وقفت على شيء من هذا، لكن لفرد شاذ من أفراد الحكماء قاله لا عن دراية ولا رواية، فلم أعبأ به لجهله بالكتاب والسنة، فياليت شعري كيف يجري قلم أحقر عالم من علماء الشريعة بمثل هذا‏.‏ وعجبت ما أدخل هذا الحافظ في مثل هذه المداخل المقفرة المكفهرة، التي يتلون الخريف في شعابها وهضابها، ويتحمل هذا النقل الثقيل والعبئ الجليل‏.‏ والحاصل أن الطوائف الإسلامية على اختلاف مذاهبهم وتباين طرقهم متفقون على أن عقول أهل الجنة تزداد صفاء وإدراكا لذهاب ما كان يعتريهم من الكدورات الدنيوية‏.‏ وكيف يسلبون ما هو عندهم من أوفر النعم وأوفر القسم، وهم في دار فيها ما تشتهيه النفس وتلذ به الأعين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فكأن هذا القائل لم يقرأ القرآن الكريم وما اشتمل عليه من تحاور أهل الجنة وأهل النار وتخاصمهم بتلك الحجج التي لا تصدر إلا عن أكمل الناس عقلا، وأوفر الخلائق فهما، وما يذكرونه من حالهم الذي كانوا عليه في أهليهم بل ما يودونه من إبلاغ الأحياء عنهم ما صاروا فيه من النعيم قال‏:‏ ‏{‏يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين‏}‏ ‏[‏ يس‏:‏ 27 ‏]‏‏.‏

وورد مثل هذا المعنى في القرآن، الذي رفع لفظه من المصحف، كما ثبت في الصحاح من كتب الحديث عن أولئك الشهداء بلفظ‏:‏ ‏(‏‏(‏بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا‏)‏‏)‏‏.‏

وكذلك ما ذكر من اجتماع أهل الجنة ومذاكرتهم بما كانوا فيه في الدنيا، وما صاروا إليه في الجنة، كما في الآيات المشتملة على ما في الجنة مما أعده الله لهم حيث يقول‏:‏ وفيها وفيها وفيها، في آيات كثيرة‏.‏ وذكر أن أهلها على سرر متقابلين، وأنه ‏(‏1/ 17‏)‏ يطوف عليهم ولدان مخلدون‏.‏ وثبت أنهم يدخلون الجنة على تلك الصفات من الجمال والشباب وكمال الخلق وحسن الهيئة مردا جردا أبناء ثلاث وثلاثين سنة‏.‏ وأنهم يتخيرون في الجنة ما يشتهون‏.‏ وكم يعد العاد من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة‏.‏ ولا يتم هذا النعيم ولا بعضه إلا وهم ذوو عقول صحيحة بالضرورة العقلية، كما ثبت بالضرورة الدينية‏.‏ ومعلوم أنهم إذا كانوا ذوي عقول، فمهما وجدت معهم فهي بالإمكان العام والخاص قادرة على كسب ما تجدد لها من العلوم، ذاكرة لما حصل لها منها من قبل هذا مالا يحتاج إلى بيان ولا يفتقر إلى برهان، ولو فقدوها لفقدوا الإنسانية الكاملة وصاروا مشابهين للدواب، وأي نعمة لمن لا عقل له كما هو مشاهد من المصابين بالجنون في الدنيا، وأي فائدة للمبالغة في نعيم من كان ذاهب العقل بما ثبت في الكتاب والسنة، من أنهم على صفات فوق صفاتهم في الدنيا بمسافات لا يقدر قدرها ولا يحاط بكنهها‏.‏

وكذلك لا يتم نعيمهم إلا بوجود الحواس الظاهرة والباطنة، ولو فقدوها لما تنعموا كما ينبغي‏.‏ وكذا لو فقدوا بعضها لم يكن لهم شعور بالتنعيم الذي وصفه الله سبحانه وبالغ فيه‏.‏ وأي فائدة لفاقد العقل، وأي شعور له بكونه على صفة كمالية في جماله، ولباسه الحرير والديباج، وتحليته بالذهب والجواهر، وأكله من أطيب المأكل وشربه من أنفس المشروب‏.‏ وكذا لا نعمة تامة فضلا عن أن تكون فاضلة لمن كان أعمى أو أصم أو لا يفهم شيئا، أو لا يذكر ما مضى له ولا يفكر فيما هو فيه‏.‏

وإذا تقرر لك هذا، علمت أن أهل الجنة لهم العقول الفائقة بنسبة الدنيا شبابا وجمالا وقوة وفهما وذكرا وحفظا وسلامة من كل نقص‏.‏

ولو لم يكن الأمر هكذا، لم تكن لهم فائدة بما بولغ به في شأنهم من الصفات، بل يعود ذلك بالنقص، لما أثبت لهم منها في الجنة هذا معلوم بالعقل والشرع لا يتمارى فيه قط‏.‏ وأقل ‏(‏1/ 18‏)‏ الحال أن يكون النعيم المحكوم لهم به في الجنة كتابا وسنة ناقصا‏.‏

والمفروض أنه بالغ في الكمال إلى غاية فوق كل غاية، وهذا خلف يدافع نصوص الكتاب والسنة مدافعة يفهمها كل من له عقل وإدراك‏.‏ فيا عجبا كل العجب من التجري على أهل هذه الدار التي هي دار النعيم المقيم على الحقيقة بما ينغص نعيمهم ويشوش حالهم ويكدر صفوهم ويمحق ما أعد الله لهم، ومن التجري على الله سبحانه، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم بما يستلزم عدم ثبوت ما أثبته الكتاب والسنة لهم وتكديره وذهاب أثره ومحق بركته‏.‏

وأنت تعلم أن مثل هذا الكتاب يستلزم الكفر الصراح‏.‏ فأين هذا القادح الفادح من نعيم دار يعدل موضع سوط أحدهم فيها الدنيا بأسرها وجميع ما فيها، ومن دار نصيف إحدى زوجاتهم يعدل الدنيا وما فيها، ومن دار لو أشرفت إحدى الجواري المعدة لهم على أهل الدنيا لفتنتهم أجمعين كما ثبت في الأحاديث الصحيحة‏.‏ ومع هذا فقد ثبت قرآنا أنهم على سرر متقابلين وأنه يطوف عليهم ولدان مخلدون‏.‏ وثبت سنة أنهم يجتمعون ويتزاورون‏.‏ فليت شعري ما فائدة هذا الاجتماع والتزاور لمن لا عقل له ولا فهم ولا فكر ولا ذكر‏.‏

والحاصل أن التقول بمثل هذا القول، هو من التقول على الله سبحانه بما لم يقل، وعلى رسوله وعلى شريعته‏.‏ بما لم يكن منها وقد ثبت في القرآن الكريم الحكم على المتقولين بما هو معلوم لكل من يعرف القرآن‏.‏

وإذا ثبت أن مثل هذا باطل في الدار الآخرة، فانظر إلى هذه الدار دار الدنيا التي ليست بشيء بالنسبة إلى الدار الآخرة، لو قيل لأحدهم‏:‏ إنه سيكون لك ما تريد من جمال الهيئة وكمالها، ومن النعيم البالغ ومن الرياسة التامة ولكن ستصاب بالجنون أو تفقد جميع المشاعر، لقال‏:‏ لا ولا كرامة ‏(‏1/ 19‏)‏ دعوني أعش صعلوكاً فقيراً فهو أطيب لي مما عرضتموه علي، وأحب إلي مما جئتموني به‏:‏

خذوا رفدكم لا قدس الله رفدكم ** سأذهب عنه لا علي ولا ليا

وإنما أوردنا لك هذه الأمور لتعلم أن الروح للإنسان إذا كان ساذجا كان كله ساذجا، إذ الروح هو الإنسانية التي يتميز بها صاحبها عن الدواب وجميع ما ذكرنا من العقل والحواس الباطنة والظاهرة هو له لا للحم ولا لدم ولا لعظم‏.‏ فإذا كان الروح ساذجا، فلم يبق إلا صورة اللحم والدم، وهو المقصود بقولهم في بيان ماهية الإنسان ‏(‏‏(‏إنه حيوان ناطق‏)‏‏)‏ أي‏:‏ مدرك للمعقولات، وليس ذلك للقالب الذي هو فيه‏.‏

وكما أن ما ذكرناه وقررناه هو إجماع الطوائف الإسلامية على اختلاف أنواعهم فهو أيضا إجماع أهل الشرائع كلها، كما يحكى ذلك عن كتب الله المنزلة على رسله، وتحكيه أيضا كتبهم المؤلفة من أحبارهم ورهبانهم، فإنه لا خلاف بينهم في المعاد وفي النعيم المعد لأهل الجنة كما حكاه الكتاب العزيز؛ وقد أوردنا من ذلك في ‏(‏المقالة الفاخرة في إثبات الدار الآخرة‏)‏ وفي ‏(‏إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على إثبات التوحيد والمعاد والنبوات‏)‏ كثيرا من نصوص التوارة والإنجيل والزبور وسائر كتب نبوات بني إسرائيل‏.‏ ولم يشذ منهم إلا اليهودي الزنديق موسى بن ميمون الأندلسي، وقد تبرأ منه قدماء اليهود وأخرجوه من دينهم‏.‏ بل ‏(‏1/ 20‏)‏ وكذلك النصارى وإن لم يكن من أهل ملتهم فقد صرحوا بخذلانه، وزندقته، قال النصراني في تاريخه‏:‏

‏(‏‏(‏ورأيت كثيرا من يهود بلاد الإفرنج بإنطاكية وطرابلس يلعنونه ويسمونه كافرا‏)‏‏)‏ انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وقد وقع لهذا الملعون من تحريف كثير من التوراة ما يدل على إلحاده وزندقته، وقد رددت ما حرفه وأوضحته بأتم إيضاح، وأما يهود عصرنا فصاروا يعظمونه وذلك لجهلهم بحقيقة الحال‏.‏ وقد ذكرت لجماعة من أحبارهم بعض تحريفاته فلعنوه وتبرؤوا منه وكما أن هذا الذي ذكرناه مجمع عليه بين أهل الملل التابعين لأنبيائهم، فهو أيضا مجمع عليه بين المشتغلين بالعقل والنظر كالكلدانيين والصابئين أتباع صاب بن إدريس، كما رأيناه في حكاية مذاهبهم التي ذهبوا إليها في شأن المعاد،ومنهم اليونانيون فإنهم جميعهم من عند أسقلينوس إلى عهد جالينوس مصرحة كتبهم بمعاد الأرواح عليه في دار المعاد‏.‏

وهكذا المشتغلون بالحكمة الإلهية من أهل الإسلام كالكندي ومن جاء بعده كالفارابي ومن جاء بعده منهم كابن سينا فإن كتبهم مصرحة بذلك تصريحا لا شك فيه ولا ريب‏.‏ وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية‏)‏‏)‏ انتهى كلام الشوكاني -رحمه الله -‏.‏

وإنما أوردناه ههنا بطوله لاشتماله على الفوائد الجليلة والشيء بالشيء يذكر‏.‏

ثم اعلم أن علم الله سبحانه بذاته نفس ذاته، فالعالم والمعلوم واحد وهو الوجود الخاص‏.‏ كذا في ‏(‏شرح الطوالع‏)‏ أي‏:‏ واحد بالذات أما بالاعتبار فلا بد من التغاير‏.‏ ثم قال‏:‏ وعلم غير الله تعالى بذاته وبما ليس بخارج عن ذاته هو حصول نفس المعلوم، ففي العلم بذاته العالم والمعلوم واحد، والعلم وجود العالم والمعلوم والوجود زائد‏.‏ فالعلم غير العالم ‏(‏1/ 21‏)‏ والمعلوم والعلم بما ليس بخارج عن العالم من أحواله غير العالم والمعلوم، والمعلوم أيضاً غير العالم‏.‏

فيتحقق في الأول أمر واحد‏.‏ وفي الثاني اثنان‏.‏ وفي الثالث ثلاثة‏.‏ والعلم بالشيء الذي هو خارج عن العالم عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم‏.‏ فيتحقق أمور أربعة‏:‏ عالم، ومعلوم، وعلم، وصورة‏.‏ فالعلم حصول صورة المعلوم في العالم ففي العلم بالأشياء الخارجة عن العالم صورة، وحصول تلك الصورة وإضافة الصورة إلى الشيء المعلوم، وإضافة الحصول إلى الصورة وفي العلم بالأشياء الغير الخارجة عن العالم حصول نفس ذلك الشيء الحاصل، وإضافة الحصول إلى نفس ذلك الشيء‏.‏

ولا شك أن الإضافة في جميع الصور عَرَض، وأما نفس حقيقة الشيء في العلم بالأشياء الغير الخارجة عن العالم، فإنه يكون جوهراً إن كان المعلوم ذات العالم لأنه تكون تلك الحقيقة موجودة لا في موضوع ضرورة كون ذات الموضوع العالم كذلك، وإن كان المعلوم حال العالم يكون عرضا‏.‏ وأما الصورة في العلم بالأشياء الخارجة عن العالم فإن كانت صورة لعرض بأن يكون المعلوم عرضا فهو عرض بلا شك، وإن كانت صورة لجوهر بأن يكون المعلوم جوهرا فعرض أيضا‏)‏‏)‏ انتهى‏.‏

وهذا مبني على القول بالشبح‏.‏ وأما على القول بحصول ماهيات الأشياء في الذهن فجوهر‏.‏

وقال الصوفية‏:‏ علم الله سبحانه صفة نفسية أزلية‏.‏ فعلمه سبحانه بنفسه وعلمه بخلقه علم واحد غير منقسم ولا متعدد، لكنه يعلم نفسه بما هو له ويعلم خلقه بما هم عليه‏.‏ ولا يجوز أن يقال‏:‏ إن معلوماته أعطته العلم من أنفسها - كما قال الشيخ محيي الدين ابن عربي - لئلا يلزم كونه استفاد ‏(‏1/ 22‏)‏ شيئا من غيره ولكنا وجدناه سبحانه بعد هذا يعلمها بعلم أصلي منه، غير مستفاد مما هي عليه فيما اقتضته بحسب ذواتها، غير أنها اقتضت في نفسها ما علمه سبحانه عليها فحكم له ثانيا بما اقتضته وهو ما علمها عليه‏.‏ ولما رأى الإمام المذكور، أن الحق حكم للمعلومات بما اقتضته من نفسها ظن أن علم الحق مستفاد من اقتضاء المعلومات فقال‏:‏

‏(‏‏(‏إن المعلومات أعطت الحق العلم من نفسها‏)‏‏)‏‏.‏ وفاته أنها إنما اقتضت ما علمها عليه بالعلم الكلي الأصلي النفسي قبل خلقها وإيجادها، فإنها ما تعينت في العلم الإلهي إلا بما علمها لا بما اقتضته ذواتها ثم اقتضت ذواتها‏.‏ بعد ذلك من نفسها أمورا هي عين ما علمها عليه أولا، فحكم لها ثانيا بما اقتضته، وما حكم إلا بما علمها عليه فتأمل‏.‏

فيسمى الحق عليماً بنسبة العلم إليه مطلقا، وعالما بنسبة معلومية الأشياء إليه، وعلاما بنسبة العلم ومعلومية الأشياء إليه معا‏.‏

فالعليم اسم صفة نفسية لعدم النظر فيه إلى شيء مما سواه، إذ العلم ما تستحقه النفس في كمالها لذاتها‏.‏ وأما العالم‏:‏ فاسم صفة فعلية، وذلك علمه للأشياء سواء كان علمه لنفسه أو لغيره فإنها فعلية، يقال‏:‏ عالم بنفسه أي‏:‏ علم نفسه وعالم بغيره أي علم غيره، فلا بد أن تكون صفة فعلية‏.‏

وأما العلام فبالنظر إلى النسبة العلمية اسم صفة نفسية كالعليم‏.‏ وبالنظر إلى نسبة معلومية الأشياء إليه اسم صفة فعلية، ولذا غلب وصف الخلق باسم العالم دون العليم والعلام فيقال‏:‏ فلان عالم ولا يقال عليم ولا علام مطلقا، إلا أن يقال‏:‏ عليم بأمر كذا ولا يقال علام بأمر كذا، بل إن وصف به شخص فلا بد من التقييد فيقال‏:‏ فلان علام في فن كذا، وهذا على سبيل التوسع والتجوز، وليس قولهم‏:‏ فلان علامة من هذا القبيل لأنه ليس من أسماء الله تعالى، فلا يجوز أن يقال‏:‏ إن الله علامة، فافهم‏.‏ كذا في الإنسان ‏(‏1/ 23‏)‏ الكامل‏.‏

ذكره في ‏(‏كشاف اصطلاحات الفنون‏)‏ أقول ـ عفا الله عني ـ‏:‏ إن علم الله تعالى ذاتي كسائر صفاته‏.‏ وإنما قلنا ذلك للرد على الحكماء القائلين بنفي الصفات وإثبات غاياتها، وللرد على المعتزلة القائلين بأنه يعلم بالذات لا بصفة زائدة عليها وقال ابن سينا ‏(‏في الإشارات‏)‏ تبعاً للفلاسفة‏:‏ إن الله عالم بالكليات، أي دون الجزئيات‏.‏ وهو كفر بواح لا يقبل التأويل‏.‏ وهذا أحد ما كفر أهل الإسلام الفلاسفة بها، ولهم من أمثال ذلك الطامات الكثيرة المعضلات، فلا يهولنك ما ينسب إليهم من المعارف ودقائق الأفكار، فما منهم إلا المخالف أو على شفا جرف هار‏.‏

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من علماء الإسلام أدلة عقلية أيضاً‏.‏ على إثبات صفة العلم لله تعالى لا نطول الكلام بذكرها هنا‏.‏

وأدلة ثبوت صفة العلم لله تعالى، سمعاً من الكتاب والسنة كثيرة جداً كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عالم الغيب والشهادة‏}‏ ‏(‏الأنعام‏:‏ 73‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أنزله بعلمه‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 166‏)‏ قوله‏:‏ ‏{‏إليه يرد علم الساعة‏}‏ ‏(‏فصلت‏:‏47‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولا يحيطون بشيء من علمه‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 255‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور‏}‏ ‏(‏غافر‏:‏ 19‏)‏ إلى غير ذلك من آيات لا تحصى إلا بكلفة وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏سبق علم الله في خلقه فهم صائرون إليه‏)‏‏)‏ وفي حديث ابن عمر‏:‏ ‏(‏‏(‏مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله‏)‏‏)‏‏.‏

وصفة العلم له سبحانه إمام أئمة الصفات، وقد أحاط بكل شيء علماً، ‏(‏1/ 24‏)‏ وعلمه قد تعلق بكل شيء من الأشياء من الجائزات والواجبات والمستحيلات، فيجب شرعاً أن يعلم أن علم الله غير متناه من حيث تعلقه‏.‏ أما بمعنى أنه لا ينقطع فهو واضح، وأما بمعنى أنه لا يصير بحيث لا يتعلق بالمعلوم فإنه يحيط بما هو غير متناه كالأعداد والأشكال‏.‏ ونعيم الجنة، فهو شامل لجميع المتصورات سواء كان واجبة كذاته صفاته العليا، أو مستحيلة كشريك الباري تعالى، أو ممكنة كالعالم بأسره الجزئيات من ذلك والكليات على ما هي عليه من جميع ذلك، وأنه واحد لا تعدد فيه ولا تكثر وإن تعددت معلوماته وتكثرت‏.‏

وأما وجوب عموم تعلقه سمعا فمثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله بكل شيء عليم‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يعلم ما يسرون وما يعلنون‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات القرآنية‏.‏

وأما وجوب ذلك عقلاً، فلأن المقتضي للعالمية هو الذات إما بواسطة المعنى الذي هو العلم على ما هو مذهب الصفاتية والسلف وهو الحق، أو بدونها على ما هو رأي النفاة‏.‏ والمقتضي للمعلومية إمكانها ونسبة الذات إلى الكل على السواء، فلو اختصت عالميته بالبعض دون البعض لكان ذلك بمخصص وهو محال لامتناع احتياج الواجب في صفاته وسائر كمالاته إلى التخصيص لمنافاته لوجوب الوجود والفناء المطلق‏.‏

ولم يذهب إلى تعدد علوم قديمة أحد يعتمد عليه إلا أبو سهل الصعلوكي من الأشاعرة وهو محجوج بالإجماع‏.‏ ‏(‏1/ 25‏)‏ والحق أن علمه سابق محيط بالأشياء على ما هي عليه، ولا محو فيه ولا تغير ولا زيادة ولا نقصان‏.‏ وهو سبحانه وتعالى يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون وما لو كان كيف كان وأما ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ فهل يكون فيه محور وإثبات‏؟‏ فيه قولان للعلماء‏.‏ وأما الصحف التي بيد الملائكة فيحصل فيها المحو والإثبات‏.‏ وما أطال به الحكماء وإفراغهم الكلام في بيان علم الله سبحانه وتعالى وما جاؤوا به‏.‏ من الأدلة العقلية على إثبات عقائدهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة، وما تفوهوا به من أن الصفات زائدة على ذاته أو هي عين ذاته المقدسة، وما نفوه من الصفات فكل ذلك مما لم يخض فيه السلف ولم يأت فيه حرف واحد من الشارع عليه الصلاة والسلام‏.‏ فالخوض فيه وأمثاله من المسائل بعد عن الدين وقرب من الشياطين‏.‏

وكم قد هلكوا وأهلكوا وضلوا وأضلوا الناس عن الصراط السوي ولا معصوم إلا من عصمه الله ورحمه‏.‏ والكلام على مسألة العلم يطول، وليس هذا موضع بسطه، وفيما ذكر ما يكفي ويشفي‏.‏ ‏(‏1/ 26‏)‏

 الباب الأول في تعريف العلم وتقسيمه وتعليمه

وفيه فصول

 الفصل الأول في ماهية العلم

 الاختلاف في ماهية العلم المطلق

اعلم أنه اختلف في أن تصور ماهية العلم المطلق، هل هو ضروري يتصور ماهيته بالكنه فلا يحد، أو نظري يعسر تعريفه، أو نظري غير عسير التعريف‏؟‏‏.‏

والأول‏:‏ مذهب جماعة منهم الإمام الرازي، واستدلوا بما ليس فيه شيء من الدلالة‏.‏ ويكفي في دفع ما قالوه ما هو معلوم بالوجدان لكل عاقل أن العلم ينقسم إلى ضروري ومكتسب‏.‏

والثاني‏:‏ رأي قوم منهم إمام الحرمين والغزالي وقالوا‏:‏ لا ‏(‏1/ 27‏)‏ طريق إلى معرفته إلا القسمة والمثال، وهو متعقب كما بينه شيخنا الشوكاني في ‏(‏إرشاد الفحول‏)‏

والثالث‏:‏ هو الراجح، وبه قال الجمهور‏.‏

 تعريفات ماهية العلم

ثم ذكروا له تعريفات‏:‏

الأول‏:‏ لبعض المتكلمين من المعتزلة أنه اعتقاد الشيء على ما هو به، وهو مدخول لدخول التقليد المطابق للواقع‏.‏ فزيد فيه قيد عن ضرورة أو دليل، لكن لا يمنع الاعتقاد الراجح المطابق وهو الظن الحاصل عن ضرورة أو دليل‏.‏ وبعبارة أخرى هو الذي يوجب لمن قام به اسم العالم ويخرج عنه العلم بالمستحيل فإنه ليس بشيء اتفاقاً‏.‏

الثاني‏:‏معرفة المعلوم على ما هو به وهو مدخول أيضاً لخروج علم الله تعالى، إذ لا يسمى معرفة أي إجماعاً لا لغة ولا اصطلاحاً، ولذكر المعلوم وهو مشتق من العلم فيكون دوراً، ولأن معنى على ما هو به هو معنى المعرفة فيكون زائدا وهذا الثاني مختار القاضي أبي بكر الباقلاني‏.‏

الثالث‏:‏هو الذي يوجب كون من قام به عالماً، وهو مدخول أيضاً لذكر العالم في تعريف العلم وهو دور‏.‏

الرابع‏:‏ هو إدراك المعلوم على ما هو به، وهو قول الشيخ أبي ‏(‏1/ 28‏)‏ الحسن الأشعري، وهو مدخول أيضاً لما فيه من الدور الحشو كما مر ولأن الإدراك مجاز عن العلم‏.‏

الخامس‏:‏هو ما يصح لمن قام به إتقان الفعل، وهو قول ابن فورك‏.‏ وفيه أنه يدخل القدرة ويخرج علمنا إذ لا مدخل في صحة الإتقان فإن أفعالنا ليست بإيجادنا، وإن في المعلومات ما لا يقدر العالم على إتقانه كالمستحيل‏.‏

السادس‏:‏ تبيين المعلوم على ما هو به وفيه الزيادة المذكورة والدور‏.‏ مع أن التبيين مشعر بالظهور بعد الخفاء فيخرج عنه علم الله سبحانه وتعالى‏.‏

السابع‏:‏إثبات المعلوم على ما هو به وفيه الزيادة والدور، وأيضاً الإثبات قد يطلق على العلم تجوزاً فيلزم تعريف الشيء بنفسه‏.‏

الثامن‏:‏ الثقة بأن المعلوم على ما هو به وفيه الزيادة والدور، مع أنه لزم كون الباري واثقاً بما هو عالم به، وذلك مما يمتنع إطلاقه عليه شرعاً‏.‏

التاسع‏:‏هو اعتقاد جازم مطابق لموجب إما لضرورة أو دليل، وفيه أنه يخرج عنه التصور لعدم اندراجه في الاعتقاد مع انه علم‏.‏

ويخرج علم الله سبحانه وتعالى لأن الاعتقاد لا يطلق عليه ولأنه ليس بضرورة أو دليل‏.‏ وهذا التعريف للفخر الرازي عرفه به بعد تنزله عن كونه ضرورياً‏.‏

العاشر‏:‏ حصول صورة الشيء في العقل أو الصورة الحاصلة عند العقل، وفيه أنه يتناول الظن والجهل المركب والتقليد والشك والوهم‏.‏ قال ابن صدر الدين‏:‏ هو أصح الحدود عند المحققين من الحكماء وبعض المتكلمين‏.‏

قلت‏:‏ وفيه أن إطلاق اسم العلم عليها يخالف مفهوم العلم لغة واصطلاحاً وعرفاً وشرعاً إذ لا يطلق على الجاهل جهلاً مركباً، ولا على الظان والشاك والواهم أنه عالم في شيء من تلك الاستعمالات‏.‏ وأما التقليد فقد يطلق عليه العلم مجازاً ولا مشاحة في الاصطلاح والمبحوث عنه في المنطق هو العلم بهذا المعنى، لأن المنطق لما كان جمع قوانين الاكتساب فلا بد لهم من تعميم العلم‏.‏ قاله في ‏(‏كشاف اصطلاحات الفنون‏)‏‏.‏

الحادي عشر‏:‏تمثل ماهية المدرك في نفس المدرك وفيه ما في العاشر‏.‏ وهذان التعريفان للحكماء مبينان على الوجود الذهني، والعلم عندهم عبارة عنه‏.‏ فالأول‏:‏ يتناول إدراك الكليات والجزئيات‏.‏ والثاني‏:‏ ظاهره يفيد الاختصاص بالكليات‏.‏

الثاني عشر‏:‏هو صفة توجب لمحلها تمييزاً بين المعاني لا يحتمل النقيض وهو الحد المختار عند المتكلمين قال في ‏(‏كشاف اصطلاحات الفنون‏)‏‏:‏ ‏(‏‏(‏أي لبراءته عما ذكر من الخلل في غيره وتناوله للتصور مع التصديق اليقيني‏)‏‏)‏ انتهى‏.‏

قلت‏:‏ إلا أنه يخرج عنه العلوم العادية كعلمنا مثلاً بأن الجبل الذي رأيناه فيما مضى لم ينقلب إلى الآن ذهباً، فإنها تحتمل النقيض لجواز خرق العادة‏.‏ وأجيب عنه في محله، وقد يزاد فيه بين المعاني الكلية وهذا ‏(‏1/ 30‏)‏ مع الغنى عنه يخرج العلم بالجزئيات‏.‏ وهذا المختار عند من يقول‏:‏ إن العلم صفة ذات تعلق بالمعلوم‏.‏

الثالث عشر‏:‏هو تمييز معنى عند النفس تمييزاً لا يحتمل النقيض بوجه، وهو الحد المختار عند من يقول من المتكلمين‏:‏ إن العلم نفس التعلق المخصوص بين العالم والمعلوم‏.‏ وفيه أن العلوم المستندة إلى العادة تحتمل النقيض لإمكان خرق العادة بالقدرة الإلهية‏.‏

الرابع عشر‏:‏هو صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت هي به‏.‏ قال العلامة الشريف‏:‏ ‏(‏‏(‏وهو أحسن ما قيل في الكشف عن ماهية العلم، لأن المذكور يتناول الموجود والمعدوم والممكن والمستحيل بلا خلاف، ويتناول المفرد والمركب والكلي والجزئي، والتجلي هو الانكشاف التام‏.‏

فالمعنى‏:‏ إنه صفة ينكشف بها لمن قامت به ما من شأنه أن يذكر انكشافا تاماً لا اشتباه فيه، فيخرج عن الحد الظن والجهل المركب واعتقاد المقلد المصيب أيضاً، لأنه في الحقيقة عقدة على القلب فليس فيه انكشاف تام وانشراح ينحل به العقدة‏)‏‏)‏ انتهى‏.‏

وفيه أنه يخرج عنه إدراك الحواس فإنه لا مدخلية للمذكور به فيه إن أريد الذكر اللساني كما هو الظاهر‏.‏ وإن أريد به ما يتناول الذكر بكسر الذال والذكر بضمها، فإنما أن يكون من الجمع‏.‏ بين معنى المشترك، أو من الجمع بين الحقيقة والمجاز وكلاهما مهجور في التعريفات‏.‏

الخامس عشر‏:‏

حصول معنى في النفس حصولاً لا يتطرق ‏(‏1/ 31‏)‏ إليه في النفس احتمال كونه على غير الوجه الذي حصل فيه وهو للآمدي قال‏:‏ ونعني بحصول المعنى في النفس تمييزه في النفس عما سواه، ويدخل في العلم بالإثبات والنفي والمفرد والمركب، ويخرج عنه الاعتقادات‏.‏ إذ لا يبعد في النفس احتمال كون المعتقد والمظنون على غير الوجه الذي حصل فيه، انتهى‏.‏

السادس عشر‏:‏

هو حكم لا يحتمل طرفاه ـ أي المحكوم عليه وبه ـ نقيضه، وفيه أنه يخرج عنه التصور وهو علم‏.‏

السابع عشر‏:‏صفة يتجلى بها المدرك بالفتح للمدرك بالكسر، وهو كالعاشر وفيه أن الإدراك مجاز عن العلم فيلزم تعريف الشيء بنفسه مع كون المجاز مهجوراً في التعريفات، ودعوى اشتهاره في المعنى الأعم الذي هو جنس الأخص غير مسلمة‏.‏

هذا جملة ما قيل في تعريف العلم، وقد عرفت ما ورد على كل واحد منها‏.‏

قال شيخنا القاضي العلامة الرباني محمد بن علي الشوكاني ـ رحمه الله ـ في ‏(‏إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول‏)‏‏:‏ ‏(‏‏(‏والأولى عندي أن يقال في تحديده‏:‏ هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافاً تاماً وهذا لا يرد عليه شيء مما تقدم فتدبر‏)‏‏)‏ انتهى‏.‏

وقد أطال في ‏(‏كشاف اصطلاحات الفنون‏)‏‏)‏ في بيان الأقوال السبعة الأول في حد العلم إطالة حسنة ليس إيرادها في هذا المختصر من غرضنا، فإن شئت الزيادة على هذا فارجع إليه وإلى مآخذه‏.‏

 الفصل الثاني فيما يتصل بماهية العلم من الاختلاف والأقوال

اعلم أنه اختلف في أن العلم بالشيء، هل يستلزم وجوده في الذهن ـ كما هو مذهب الفلاسفة وبعض المتكلمين ـ أو هو تعلق بين العالم والمعلوم في الذهن كما ذهب إليه جمهور المتكلمين‏؟‏

ثم إنه على الأول لا نزاع في أنا إذا علمنا شيئاً فقد تحقق أمور ثلاثة‏:‏ صورة حاصلة في الذهن، وارتسام تلك الصورة فيه، وانفعال النفس عنها بالقبول‏.‏ فاختلف في أن العلم أي هذه الثلاثة، فذهب إلى كل منها طائفة‏.‏ ولذلك اختلف في أن العلم هل هو من مقولة الكيف، أو الانفعال أو الإضافة‏.‏ والأصح أنه من مقولة الكيف على ما بين في محله‏.‏

ثم اعلم أن القائلين بالوجود الذهني، منهم من قال‏:‏إن الحاصل في الذهن إنما هو شبح للمعلوم وظل له مخالف بالماهية غايته أنه مبدأ لانكشافه‏.‏ لكن دليل البحث لو تم لدل على أن للمعلوم نحواً آخر من الوجود لا كشبحه المخالف له بالحقيقة‏.‏

ومنهم من قال‏:‏ الحاصل في الذهن في نفس ماهية المعلوم، لكنها ‏(‏1/ 33‏)‏ موجودة بوجود ظلي غير أصلي، وهي باعتبار هذا الوجود تسمى صورة ولا يترتب عليها الآثار، كما أنها باعتبار الوجود الأصلي تسمى عينا ويترتب عليها الآثار‏.‏

فهذه الصورة إذا وجدت في الخارج كانت عين العين، كما أن العين إذا وجدت في الذهن كانت عين الصورة، أي شبح قائم بنفس العالم به ينكشف المعلوم وهي العلم، وذو صورة أي ماهية موجودة في الذهن غير قائم به وهي المعلوم، وهما متغايران بالذات‏.‏ فعلى رأي القائلين بالشبح يكون العلم من مقولة الكيف بلا أشكال مع كون المعلوم من مقولة الجوهر أو مقولة أخرى لاختلافهما بالماهية‏.‏

وأما على رأي القائلين بحصول الماهيات بأنفسها في الذهن ففي كونه منها أشكال مع أشكال اتحاد الجوهر والعرض بالماهية وهما متنافيان‏.‏ وأجاب عنه بعض المحققين بأن العلم من كل مقولة من المقولات وإن عدهم العلم مطلقا من مقولة الكيف على سبيل التشبيه به، ويرد عليه أنه يصدق على هذا ـ على العلم تعريف الكيف فيكون كيفاً‏.‏ وبعض المدققين جوز تبدل الماهية بأن يكون الشيء في الخارج جوهراً، فإذا وجد في الذهن انقلب كيفا كالملحة التي ينقلب الواقع فيها ملحاً، وهو مبحث مشهور‏.‏

وفي أبي الفتح ‏(‏حاشية الحاشية الجلالية‏)‏‏:‏ أما القائلون بالوجود الذهني من الحكماء وغيرهم فاختلفوا اختلافاً ناشئاً من أن العلم ليس حاصلاً قبل حصول الصورة في الذهن بداهة واتفاقاً، وحاصل عنده بداهة واتفاقاً‏.‏

والحاصل معه ثلاثة أمور‏:‏

الصورة الحاصلة، وقبول الذهن من المبدأ الفياض، وإضافة مخصوصة بين العالم والمعلوم فذهب بعضهم إلى أن العلم هو الصورة الحاصلة فيكون من مقولة الكيف‏.‏ وبعضهم إلى أنه الثاني فيكون من مقولة الانفعال‏.‏ وبعضهم إلى أنه الثالث فيكون من مقولة الإضافة‏.‏ والأصح المذهب الأول، لأن الصورة توصف بالمطابقة كالعلم والإضافة والانفعال ويوصفان بها‏.‏

لكن القول بأن الصورة العقلية من مقولة الكيف إنما يصح إذا كانت مغارة لذي الصورة بالذات قائمة بالعقل كما هو مذهب القائلين بالشبح والمثال الحاكمين بأن الحاصل في العقل أشباح الأشياء لا أنفسها‏.‏

وأما إذا كانت متحدة معه بالذات مغايرة له بالاعتبار على ما يدل عليه أدلة الوجود الذهني وهو المختار عند المحققين القائلين بأن الحاصل في الذهن أنفس الأشياء لا أشباحها، فلا يصح ذلك‏.‏ فالحق أن العلم من الأمور الاعتبارية والموجودات الذهنية، وإن كان متحداً بالذات مع الموجود الخارجي إذا كان المعلوم من الموجودات الخارجية سواء كان جوهراً أو عرضاً كيفاً أو انفعالاً أو إضافة أو غيرها‏)‏‏)‏ انتهى‏.‏

قال الرازي‏:‏ ‏(‏‏(‏قد اضطرب كلام ابن سينا في حقيقة العلم، فحيث بين أن كون الباري عقلاً وعاقلاً ومعقولاً يقتضي كثرة في ذاته، فسر العلم بتجرد العالم والمعلوم من المادة‏.‏ ورد بأنه يلزم منه أن يكون كل شخص إنساني عالماً بجميع المجردات، فإن النفس الإنسانية مجردة عندهم‏.‏ وحيث قرر اندراج العلم في مقولة الكيف بالذات وفي مقولة الإضافة بالعرض جعله عبارة عن صفة ذات إضافة‏.‏

وحيث ذكر أن تعقل الشيء لذاته ولغير ذاته ليس إلا حضور صورته عنده جعله عبارة عن الصورة المرتسمة في الجوهر العاقل المطابقة لماهية المعقول‏.‏ وحيث زعم أن العقل البسيط الذي لواجب الوجود ليس عقليته لأجل صور كثيرة بل لأجل فيضانها عنه حتى يكون العقل البسيط كالمبدأ الخلاق للصور المفصلة في النفس جعله عبارة عن مجرد إضافة‏)‏‏)‏ انتهى‏.‏